الأقماح الأردنية بين التنوع الوراثي المحلي والتحسين الوراثي التقليدي ودعاوى التعديل والتحوير الجيني - مراجعة علمية مختصرة-

(الأقماح الأردنية بين التنوع الوراثي المحلي والتحسين الوراثي التقليدي ودعاوى التعديل والتحوير الجيني - مراجعة علمية مختصرة-)

 

(الملخص)

يُعد القمح (Triticum spp.) من أهم المحاصيل الاستراتيجية في الأردن وبلاد الشام، حيث يشكل المكون الرئيس للغذاء والأمن الغذائي. وقد شهدت العقود الأخيرة تطورًا ملحوظًا في برامج تحسين القمح من خلال التربية التقليدية والتهجين والانتخاب الطبيعي، مما أسهم في استنباط أصناف ذات إنتاجية مرتفعة وقدرة أكبر على تحمل الظروف البيئية القاسية وعلى رأسها ضعف الأمطار وارتفاع الحرارة والجفاف.

غير أنه ما تزال بعض الأصناف (المتوارثة) مثل القمح (الحوراني) تحتفظ بأهميتها الزراعية والغذائية والتراثية التي تداولتها الأجيال عبر العصور المتطاولة في منطقتنا.

كما برزت عالميًا أصناف من القمح (المحورة جينيًا) أو (المحررة جينيًا) وبينهما فرق، بهدف تعزيز تحمل الجفاف والأمراض وتحسين بعض الصفات النوعية لها.

تهدف هذه المراجعة المختصرة إلى استعراض أهم أصناف القمح المتداولة في الأردن، وبيان الفروق بين الأصناف المتوارثة، والمحسنة، والمحورة جينيًا، ومناقشة أبرز النتائج العلمية المتعلقة بهذه الفئات، خصوصًا وأنه بدأت بعض الدعوات إلى (إيهام) الناس بأن القمح الموجود في الأردن -وحتى سائر بلاد العالم- هو قمح (محور جينيًا) وربط هذا التحوير -إن وجد- في كونه يقلل من خصائص القمح أو يضر بالصحة، وهذه الدعاوى إنما الغاية منها الدعاية لجلب الانتباه والتجارة بالوهم!

 

(مقدمة)

يمثل القمح أحد أقدم المحاصيل الزراعية التي رافقت الحضارات الإنسانية، وقد شكلت منطقة الهلال الخصيب، بما فيها الأردن وبلاد الشام، أحد أهم مراكز نشأته وتدجينه. ومع تزايد الطلب العالمي على الغذاء وتفاقم تحديات التغير المناخي وشح المياه، أصبحت برامج تحسين القمح ضرورة استراتيجية لتحقيق (الأمن الغذائي) والمحافظة على استدامة الإنتاج الزراعي لسد حاجة الاستهلاك المتزايد على هذه المحاصيل الرئيسة.

وقد اعتمدت برامج التحسين النباتي لعقود طويلة على (التهجين والانتخاب الوراثي) وهو ما كان يُمارس على نطاق واسع بين المزارعين التقليديين وغيرهم، بينما شهدت العقود الأخيرة ظهور (تقنيات التعديل والتحرير الجيني) التي أتاحت إمكانات جديدة لتطوير أصناف (أكثر قدرة على مواجهة الإجهادات البيئية) وعلى رأسها انحباس الأمطار والتغير المناخي الكبير.

 

(أصناف القمح المتداولة في الأردن)

يمكن تصنيف أصناف القمح المتداولة في الأردن إلى مجموعتين رئيستين:

أولًا: الأصناف المتوارثة(Landraces) :

يمثل (القمح الحوراني) أبرز الأصناف المتوارثة في الأردن وبلاد الشام، ويتميز بتاريخ زراعي طويل يمتد لقرون عديدة. حيث تتميز هذه الأصناف بامتلاكها تنوعًا وراثيًا مرتفعًا وقدرة جيدة على التكيُّف مع الظروف البيئية المحلية، خاصة في المناطق (البعلية وشبه الجافة) كإربد وجنوب سوريا. كما تُعرف بجودتها العالية في إنتاج البرغل والفريكة والخبز البلدي، إضافة إلى (محتواها البروتيني المرتفع نسبيًا).

ثانيًا: الأصناف المحسنة بالتربية التقليدية:

تشمل هذه المجموعة أصنافًا عديدة في الأردن مثل: (عمّون)، و(الربة1)، و(مشقر1)، و(مرو1)، و(شام1)، و(أكساد 65). وقد تم تطوير هذه الأصناف من خلال برامج تربية نباتية طويلة الأمد تعتمد على (التهجين والانتخاب الوراثي) دون استخدام تقنيات التعديل الوراثي المباشر.

وتتميز هذه الأصناف: بارتفاع الإنتاجية، وتحسن مقاومتها للأمراض والصدأ، فضلًا عن تجانسها الوراثي وقدرتها على التكيف مع متطلبات الزراعة الحديثة.

 

(القمح الطري والقمح الصلب)

تصنف أنواع القمح تبعًا لخصائص الحبوب والاستعمالات النهائية إلى (قمح طري)، وآخر (صلب).

حيث يشمل القمح الطري في الأردن أصنافًا مثل: (عمّون)، و(الربة1)، و(مشقر1)، ويستخدم بصورة رئيسية في صناعة (الخبز والمعجنات).

أما القمح الصلب فيشمل: (الحوراني)، و(مرو1)، و(شام1)، و(أكساد 65)، ويتميز بحبوب أكثر صلابة (وارتفاع نسبي في محتوى البروتين)، مما يجعله مناسبًا لإنتاج (السميد والبرغل والمعكرونة والفريكة).

 

(القمح المحور جينيًا، والمحرر جينيًا)

تزايدت الدعاوى على مواقع التواصل من الأشخاص المُسوقين للمنتجات التي تعتمد على القمح الكامل وفي سبيل الدعاية التجارية وجلب التفاعلات بوجود القمح المعدل أو المحور جينيًا في بلادنا أو حتى بلاد المنطقة ككل، وإيهام الناس بأن القمح المحور جينيًا هو المتداول في الأسواق وأنه مضر بالصحة دون إبراز أي دليل أو بحوث علمية يمكن أن يقتن بها أهل الاختصاص!

فرغم التطور الكبير في تقنيات الهندسة الوراثية، فإن زراعة القمح المحور جينيًا ما تزال (محدودة عالميًا) مقارنة بمحاصيل أخرى مثل (الذرة) و(فول الصويا).

وفي مجال إنتاج القمح المعدل وراثيًا يُعد صنف (HB4) الأرجنتيني أبرز مثال تجاري للقمح المحور جينيًا، حيث تم إدخال جين مشتق من نبات دوار الشمس (بهدف تعزيز تحمل الجفاف) دون المساس بخصائص القمح الأصلية. وقد أظهرت الدراسات الحقلية زيادة في الإنتاجية تحت ظروف الإجهاد المائي مقارنة بالأصناف التقليدية بنسبة لا تزيد عن 6% لا تمثل أي فارق كبير بينه وبين الأصناف التقليدية، مع بقاء الأداء متقاربًا في الظروف البيئية المثالية.

كما شهدت السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في استخدام تقنيات (التحرير الجيني) وهو مختلف عن التحوير الجيني، مثل CRISPR، والتي تسمح بإجراء تعديلات دقيقة على الجينوم دون إدخال جينات أجنبية. وتركزت الأبحاث الحديثة على تطوير أصناف (منخفضة الغلوتين) أو أكثر مقاومة للأمراض وأكثر كفاءة في استخدام الموارد المائية، مما يعني أن المحرر جينيًا قد يكون من الناحية الصحية أفضل بكثير -لانخفاض نسبة الغلوتين فيه- من ذلك المتوارث!

 

(مقارنة بين الأصناف المتوارثة والمحسنة والمحورة جينيًا)

تتمتع الأصناف المتوارثة بميزة (التنوع الوراثي) الواسع والتكيف المحلي، إلا أن إنتاجيتها غالبًا أقل من الأصناف الحديثة.

أما الأصناف المحسنة بالتربية التقليدية فتتميز بإنتاجية أعلى، وتجانس وراثي أفضل، ومقاومة محسنة للأمراض. في المقابل، تركز الأصناف (المحورة جينيًا) على إضافة صفات محددة مثل: تحمل الجفاف، أو مقاومة بعض الآفات، إلا أن (انتشارها التجاري) ما يزال (محدودًا) نتيجة اعتبارات تنظيمية وتسويقية ومجتمعية.

وتشير الأدلة العلمية الحالية إلى أن (التحسين الوراثي التقليدي) يعني الانتخاب الطبيعي؛ ما يزال يمثل المصدر الرئيس لتطوير أصناف القمح في معظم دول العالم، في حين تشكل التقنيات الجينية الحديثة (أداة مكملة) يمكن أن تُسهم في تسريع برامج التربية النباتية مستقبلًا.

 

(النتائج والاستنتاجات)

أظهرت هذه المراجعة أن (القمح الحوراني) يمثل أهم الأصناف المتوارثة في الأردن وبلاد الشام، بينما تمثل أصناف: (عمّون والربة ومشقر ومرو وشام وأكساد) نماذج للأصناف المحسنة الناتجة عن برامج التربية التقليدية.

كما تبين عدم وجود أصناف أردنية معتمدة معروفة بأنها محورة جينيًا.

وتؤكد الدراسات أن برامج التربية التقليدية نجحت في تحقيق تحسينات ملحوظة في الإنتاجية ومقاومة الأمراض والتكيف البيئي دون الحاجة إلى التعديل الوراثي المباشر.

وفي الوقت نفسه، أظهرت بعض الأصناف المحورة جينيًا، مثل: (HB4)، نتائج واعدة في تحسين (تحمل الجفاف) تحت ظروف محددة، إلا أن انتشارها العالمي ما يزال (محدودًا.(

 

 

(التوصيات)

مع دعوتي -ودعوة كل باحث ومزارع يمارس زراعة القمح وفاهم لمسألة التحوير الجيني وآثارها وانتشارها ووجودها في بلادنا من عدمه- إلى عدم الانجرار خلف الضخ الإعلامي -المُضلل- لغايات التسويق وجلب الزبائن؛ بالخداع الإعلامي غير القائم على حقائق علمية أو واقعية فإنني أوصي بما يلي:

1-المحافظة على الأصناف المتوارثة، وعلى رأسها القمح الحوراني، باعتبارها مصدرًا مهمًا للتنوع الوراثي والصفات التكيفية وزيادة إنتاجها وتداولها بشكل فاعل بين منتجي المخبوزات بعامة.

2-دعم برامج التربية التقليدية وتلك التي يقوم بها شبابنا الأردني إسهامًا بإثراء القطاع الزراعي في بلادنا الحبيبة، ودعم الجهود الرامية إلى تطوير أصناف تتحمل الجفاف والحرارة وتلائم البيئات الأردنية الجافة.

3-تنفيذ دراسات محلية متخصصة لمقارنة محتوى البروتين والغلوتين والصفات المخبزية بين الأصناف المتوارثة والمحسنة فالأقماح تتفاوت في نسبة البروتين تفاوتًا ليس بالقليل علمًا بأن ارتفاع مستوى البروتين في القمح يرتبط طرديًا مع ارتفاع نسبة الغلوتين.

4-متابعة التطورات العلمية في مجالات التعديل والتحرير الجيني وتقييم إمكانات توظيفها ضمن الأطر التنظيمية والبيئية المناسبة فليس كل تعديل جيني مرفوض أو مضر أو يشكل تأسيسًا لنظرية المؤامرة التي يروج لها البعض.

5-تعزيز التعاون البحثي بين المؤسسات الوطنية والمراكز الدولية للحفاظ على الموارد الوراثية وتحسين إنتاج القمح في المناطق الجافة والتواصل وإيصال أهم النتائج والتجارب مع المزارعين في الحقل للعمل على خلق جسور تعاون واستفادة وتطوير مفيد في الأمن الغذائي الوطني.

6-منع كل من يستعمل مسألة التحوير الجيني كفزاعة يخيف بها الناس أو يصرفهم إلى منتجاته دون غيره، مع توجيه الناس إلى استهلاك خبز القمح الكامل والعودة التدريجية إلى مأكولاتنا البلدية الصحية دون تهويل أو تظليل يضر بالآخرين!

 

أبو موسى أحمد الغرايبة

مزارع وباحث في أساليب الزراعة التقليدية وممارس للبستنة

7 / حزيران / 2026م

 

 

(أهم المراجع)

المركز الوطني للبحوث الزراعية. (2023). الأصناف المعتمدة من القمح في الأردن وبرامج التحسين الوراثي. عمّان، الأردن.

الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية. (2023). دليل أصناف القمح المعتمدة في الجمهورية العربية السورية. دمشق، سوريا.

المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد). (2024). أدلة وبرامج تحسين القمح في المناطق الجافة وشبه الجافة. دمشق، سوريا.

-مصادر أجنبية:

1-Curtis, B. C., Rajaram, S., & Gómez Macpherson, H. (Eds.). (2002). Bread Wheat: Improvement and Production. FAO Plant Production and Protection Series No. 30. Food and Agriculture Organization of the United Nations, Rome, Italy.

(https://www.fao.org/4/y4011e/y4011e00.htm)

2-Food and Agriculture Organization (FAO). (2024). Wheat and Food Security: Global Production and Genetic Resources. Rome, Italy.

(https://www.fao.org/worldfoodsituation/csdb/en/)

3-González, F. G., Capella, M., Ribichich, K. F., Curín, F., Giacomelli, J. I., Ayala, F., Watson, G., Otegui, M. E., & Chan, R. L. (2019). Field-grown transgenic wheat expressing the sunflower gene HaHB4 significantly outyields the wild type under drought conditions. Plant Biotechnology Journal, 17(11), 21002113.

(https://academic.oup.com/jxb/article/70/5/1669/5307521)

4-International Center for Agricultural Research in the Dry Areas (ICARDA). (2023). Wheat Breeding Programs for Dryland Agriculture in West Asia and North Africa. Beirut, Lebanon.

(https://icarda.org/)

5-International Maize and Wheat Improvement Center (CIMMYT). (2023). Wheat Improvement and Genetic Diversity Conservation. Mexico.

(https://www.cimmyt.org/work/wheat-research/)

6-Peña, R. J. (2002). Wheat for Bread and Other Foods. In B. C. Curtis, S. Rajaram, & H. Gómez Macpherson (Eds.), Bread Wheat: Improvement and Production (pp. 483542). FAO.

7-Shewry, P. R., & Hey, S. J. (2015). The contribution of wheat to human diet and health. Food and Energy Security, 4(3), 178202.

(https://onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1002/fes3.64?msockid=336df234973d694d32b1e4d5964168ef)

8-Tester, M., & Langridge, P. (2010). Breeding technologies to increase crop production in a changing world. Science, 327(5967), 818822.

(https://www.science.org/doi/10.1126/science.1183700)

9-United States Department of Agriculture (USDA). (2024). Regulatory Status Review for HB4 Drought-Tolerant Wheat. Washington, DC, USA.

(https://www.isaaa.org/kc/cropbiotechupdate/article/default.asp?ID=20981)

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الزراعة المُصغَّرة (دليلك نحو الزراعة المنزلية والاكتفاء الذاتي)!

دليل عملي لزراعة ناجحة: من إنبات البذور إلى نقل الشتلات!